جوبا – شوكير ياد | تقرير إخباري
استأنفت المحكمة الخاصة المنعقدة في قاعة الحرية بالعاصمة جوبا صباح أمس الإثنين جلساتها في القضية المعروفة إعلاميًا بـ “حادثة ناصر”، التي يُحاكم فيها النائب الأول لرئيس الجمهورية الموقوف، الدكتور ريك مشار تينج، إلى جانب سبعة من قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي في المعارضة (SPLM/A-IO)، بتهم تتعلق بالقتل الجماعي، والخيانة العظمى، والجرائم ضد الإنسانية، وتدمير الممتلكات.
محور الجلسة: مساءلة قانونية حول مسار التحقيق ونقل الأدلة
خلال الجلسة الخامسة عشرة، أجرى فريق الدفاع استجوابًا مطولًا للمحقق الرئيسي، اللواء باسيليو توماس واني، ركّز على إجراءات التفتيش والمصادرة ونقل الأدلة المادية إلى الخارج، كاشفًا عن تناقضات في أقوال الشهود وثغرات قانونية في مسار التحقيق. وأثار هذا النقاش تساؤلات جوهرية حول مدى التزام التحقيق بالمعايير الدستورية والإجرائية المنصوص عليها في القانون الجنائي.
تصريحات رسمية وتأثيرها على حياد التحقيق
بدأ الدفاع استجوابه بسؤال المحقق حول تصريحات لمسؤولين حكوميين كبار ـ من بينهم مايكل مكوي لويط، تعبان دينق قاي، جونسون أولونج، نائب الرئيس بنجامين بول ميل، والجنرال جيمس كوانق ـ الذين اتهموا علنًا الحركة الشعبية المعارضة بالمسؤولية عن الهجوم على قاعدة ناصر العسكرية في مارس 2025 قبل فتح التحقيق رسميًا.
ورأى الدفاع أن تلك التصريحات تمثل تدخلًا سياسيًا يهدد حياد التحقيق.
ورد اللواء واني بأنه “غير مطّلع على مثل هذه التصريحات”، دون توضيح ما إذا كانت قد أثّرت على مسار التحقيق أو توجيه الاتهامات.
إجراءات التفتيش والمصادرة: ثغرات في الشفافية
أقر اللواء واني بأن الدكتور ريك مشار خضع لتفتيش واحد فقط قبل اعتقاله، قبل أن يعود ويؤكد أنه كان حاضرًا أثناء عملية التفتيش، وهو ما اعتبره الدفاع تناقضًا في أقواله.
وأشار الدفاع إلى أن ستة هواتف محمولة وجهاز كمبيوتر تمت مصادرتها من منزل الدكتور مشار دون إدراجها في سجلات المحكمة، فيما أكد واني أن الأجهزة سُلّمت إلى جهاز الأمن الوطني (NSS) دون وجود ما يثبت تسليمها أو إدراجها رسميًا كمعروضات.
كما طرح الدفاع سؤالًا حول مصير مبلغ مالي قدره ثلاثة ملايين جنيه جنوب سوداني (SSP) تمت مصادرته من منزل المتهم السابع (مادينق ياك رياك) ولم يُدرج في ملف القضية. امتنع اللواء واني عن الرد، ما أثار شكوك الدفاع بشأن شفافية الإجراءات.
مواد تحقيقية غير موثقة ومصادر مجهولة
استفسر الدفاع عن مصدر بعض المواد التحقيقية، مثل الصور المكبرة والتسجيلات الصوتية والبيانات الرقمية الموجودة في وحدات USB، فأفاد اللواء واني بأنها وردت من إدارة الإشارات التابعة لجهاز الأمن الوطني.
غير أن الدفاع اعتبر أن غياب التوثيق الرسمي لخط تسلسل هذه الأدلة يمثل خرقًا للإجراءات القانونية ويقوّض مصداقية التحقيق.
اختفاء أربعة ضباط أمن من مكتب النائب الأول للرئيس
أثار الدفاع قضية اختفاء أربعة من كبار ضباط الأمن العاملين في مكتب النائب الأول للرئيس، الذين اعتُقلوا يوم 26 مارس الماضي تزامنًا مع وضع الدكتور مشار قيد الإقامة الجبرية.
وهم: العميد ماك ديو يوه، العميد فار دانق يوت، العميد كوك دانق ييل، والمقدم هوث شوك بانج.
وأكد اللواء واني أن هؤلاء الضباط “لم يظهروا في التحقيق” وأنه لا يعلم مكانهم الحالي، وهو ما أثار قلق الحضور وتساؤلات قانونية وإنسانية حول مصيرهم ومشروعية احتجازهم.
التحقيق قبل الاعتقال: مخالفة قانونية واضحة
أقرّ اللواء واني بأن التحقيقات بدأت رسميًا بعد تنفيذ الاعتقالات، موضحًا أن ثلاثة من المتهمين تم توقيفهم قبل فتح ملف القضية أو إعداد تقرير مبدئي بالوقائع، وهو ما اعتبره الدفاع إخلالًا جوهريًا بمبدأ “التحقيق قبل التوقيف” المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية، مما يجعل الأدلة اللاحقة مشوبة بالبطلان.
نقل الأدلة إلى جنوب أفريقيا: انتهاك لقواعد التعاون القضائي
ناقشت الجلسة أيضًا قضية نقل الأدلة الإلكترونية إلى جنوب أفريقيا. وأوضح اللواء واني أن حقيبة دبلوماسية تحتوي على الأجهزة المصادرة أُرسلت عبر وزارة الخارجية إلى بريتوريا للفحص الفني، تحت إشراف السفير دينيس دومو، سفير جنوب السودان لدى جنوب أفريقيا.
وطعن الدفاع في قانونية هذا الإجراء، متسائلًا عن الأساس القانوني الذي سمح بإرسال الأدلة إلى دولة أجنبية في غياب اتفاق تعاون قضائي أو تفويض من المحكمة.
ورد اللواء واني قائلاً:
“لا أعلم إن كانت هناك اتفاقية من هذا النوع، لكن التعاون الدولي في مثل هذه القضايا يتم عادة على مستوى الحكومات.”
واعتبر الدفاع أن هذا الإجراء يمثل خرقًا واضحًا لمبدأ سيادة القضاء الوطني ولقواعد تبادل الأدلة عبر القنوات الرسمية المعترف بها.
غياب زيارة ميدانية لموقع الحادثة
اعترف المحقق بأن لجنة التحقيق لم تقم بزيارة ميدانية إلى موقع الحادثة “بسبب مخاوف أمنية”، وأقرّ بعدم وجود خريطة تخطيطية أو رسم توضيحي لمكان وقوع الحادثة ومواقع المجموعات المسلحة المعروفة بـ“الجيش الأبيض”، وهو ما اعتبره الدفاع إهمالًا إجرائيًا يؤثر على موضوعية الأدلة.
صحة المتهمين وقيادات الحركة
أبلغت الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان (المعارضة) المحكمة بأن الفريق أول غبريال دوب لام، القائم بأعمال رئيس هيئة الأركان في الجيش الشعبي (المعارضة) ونائب رئيس هيئة الأركان في قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان، قد خرج من المستشفى بعد تعافيه من جلطة دماغية، فيما لا يزال العميد كميلو قاتماي كيل يتعافى من عملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية.
ولم يتمكن الضابطان من حضور جلسة المحكمة بسبب حالتهما الصحية.
تأجيل الجلسة ومراجعة قضائية مرتقبة
أعلن القاضي جيمس ألالا دينق تأجيل الجلسة إلى يوم الجمعة الموافق 31 أكتوبر 2025، بدلاً من الأربعاء 29 أكتوبر، دون إبداء أسباب. وأوضح أن الجلسة القادمة ستُخصّص لمواصلة الاستجواب المضاد للمحقق الرئيسي، في إطار مراجعة قضائية إقليمية لتقييم مدى التزام التحقيق بالمعايير الدستورية والإجرائية.
كما ستشهد الجلسات المقبلة الاستماع إلى شهود إضافيين ومراجعة الوثائق القانونية المصححة التي طلب الدفاع تقديمها رسميًا.
خاتمة :
تكشف مجريات الجلسة الخامسة عشرة عن تعقيدات قانونية وإجرائية متراكمة في مسار التحقيق، أثارت جدلاً واسعًا حول استقلالية المحكمة وشفافية الأدلة، في قضية لا تزال محط أنظار الرأي العام المحلي والإقليمي.

